احصائيات المدونة

cenima world
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مراجعات سينمائية | أعجبتني |. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مراجعات سينمائية | أعجبتني |. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 8 أغسطس 2012

7 وصايا على خطى السينما الإيرانية ....



7 وصايا على خطى السينما الإيرانية ,, بقلم : محمد المصري ..

في البدءِ كانت الثّورة، ملايين الناسِ في الشارع يَبعثون الرُّوح في المَدينة الرَّاكِدة ويَجعلون كُل الأحلامِ مُحتملة، قبل أن يَتكفَّل الوقت بإخفات الجُذوة المُشتعلة للأشياء، فيكون الواقِع أكثر قُبحاً من خيالاتنا المثالية عن الوَطِن ولا يتبقى بعد كل هذا سوى مَرارة في الحَلق: مرارة إحباطات الآمال العَظيمة ومرارة الفارق بين ما تَمَنَّيناه وما صِرنا عَليه.
تِلكَ هي حِكاية الثورات! فالجمل السابقة يُمكن أن تَنْطَبق سواءً بسواء على الثورتين، المصرية التي تُوج اعتصامها الأكبر بخلع رأس النظام السابق في 11 فبراير 2011، والإيرانيّة التي انتهت انتفاضتها المبهرة بهروب الشاة إلى الخارج في 16 يناير 1979. ثم اكتمل الأمر بصورة مشابهه أيضًا: صعد إلى الحكم نِظام إسلامي أكثر جاهزية من التيارات الأخرى التي شاركته الثورة وَسط مخاوف جَمَّة حول الحريَّات بشكلٍ عام والتضييق على الفن والثقافة بشكلٍ خاص.
الدَّرس التاريخي المُستفاد هو أن «الثورة مُستمرة» بطريقتها، كَحتميَّة تغيير في الواقع القبيح، وككِفاح مُتتال لانتزاع الحقوق. هذا تمَثَّله جيدًا فناني إيران في العقودِ الأخيرة، حين انتصروا تمامًا على واقعهم.
بدأت السينما الإيرانيّة رحلة بحث حقيقية عن هويّتها منذ ما يزيد عن الأربعة عقود. واستمر البحث رغم التضييقات المجتمعيَّة الضخمة التي تَلَت الثورة، حتى وصل إلى ذَروة نَجاح في العام الماضي حين صَعد المُخرج الإيراني «أصغر فرهادي» ليتسلم جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي عن «انفصال – A Separation»، جامعًا بينه وبين الدب الذهبي لمهرجان «برلين».
في المُقابل، لم تَكُن مشكلة السينما المصرية يومًا في الحريَّات. المشكلة كانت في فَساد الذَّوق المصري العام نتيجة لفسادٍ أكبر يَطال كل شيء آخر. الثورة قامت ضِد كل هذا. والفن الثوري في وَطنٍ يُولَد من جديد هو ما يؤثر في وِجدان الناس ويَجْعل مَيلهم للحَسَن في مُقابل القبيح.
نحن لا نعلم ما الذي سيتغيَّر في المجتمع بعد صعود رئيس إسلامي إلى قمة الحُكم. لدينا مَخاوف على الحريَّات. ولكن في المُقابل، لا شيء سيوقفنا عن الحُلم بوطنٍ أفضل نَرسمه بالخيال.. لا شيء سيوقفنا عن تَقديم فَن جيَّد يُبرز هَويتنا الخاصة في حال حاولنا ذلك.
تِلك هي «الوصايا السَّبع» التي نَسجها فنانو إيران بأفلامهم خلال العقود السابقة وسط ظرف سياسي واجتماعي مُشابه لما يحدث في مصر. مبدعو إيران خلقوا هويّتهم وأجبروا العالم على تقديرها، بينما لازلنا نتعثَّر في خطواتنا.

الوصيّة الأولى: «لا تحيا على الأرضِ كمستأجرِ بيت أو زائر ريف»

بدأت السينما في إيران في وقتٍ مقارب لبقيَّة العالم خلال مطلع الثلاثينيات. ولكن البحث عن هويتها الحقيقية لم يبدأ سوى عام 1969، قبل عشر سنوات من الثورة.السينما الإيرانية في عقودها الأولى كانت استنساخًا لحكايات هوليوود من ناحية وللسينما الهنديَّة من ناحيةٍ أخرى، خصوصاً مع رغبة النظام الحاكم في إظهار إيران كدولة أقرب إلى الغرب، لتبدو الصورة التي تَعكسها الأفلام منافية للواقع بشكلٍ كُلي.ظهور مخرج شاب في الخامسة والعشرين من عمره يُدعى «داريوش مهرجويي» كان البذرة الأولى التي أنبتت بعد ذلك كُل شيء، تحديدًا حين أخرج عام 1969 فيلمه «البقرة» ليحدث انقلابًا استثنائيًا في عقلية الإيرانيين الذين رأوا أنفسهم لأولِ مرة على الشاشة. كانت تلك هي المرة الأولى التي يدركوا فيها «هويَّتهم السينمائية».الفيلم الذي أظهر فيه «مهرجويي» تأثرًا بالواقعية الإيطالية – تحديدًا بأفلام المُعلم «فيتوريو دي سيكا» – كان في المقابل مشبعًا بالرُّوح الإيرانيّة المحليَّة انطلاقًا من قصته التي تدور حول رجل يملك البقرة الوحيدة في القرية التي يعتمد عليها في كافة تفاصيل حياته. وأثناء سفر الرجل إلى المدينة تَموت البقرة ويحار أهل البلدة كلهم في كيفية إخباره بهذا النبأ الذي قد يقضي على حياته. لم يكن «مهرجويي» يعلم في الحقيقة عظمة ما يفعله. ولكن ما حدث في النهاية هو أن تِلك كانت «السينما الإيرانية»: حِكاية بَسيطة وهَمّ من الممكن أن يبدو تافهًا، ولكنه بالنسبة لعالم الفيلم الحياة كلها.
«مهرجويي» أيضًا صَنع الفيلم بالكثير من السماتِ التي ستصبح فيما بعد أسس «الهوية» السينمائية لإيران: التصوير في قرية حقيقية للمرة الأولى، الاعتماد على أهالي القرية كممثلين لأدوارٍ مُساعدة، الإغراق في التفاصيل المحليَّة، الاعتماد على الموسيقى الفارسية والتراث الثقافي الذي يعود لآلاف السنين، وفي النهاية: الإيمان بكونِ فيلمَك ليسَ عابرًا فوق تِلك الأرض، ولكنه جزء منها ومُعبر عنها. حيث قضى «مهرجويي» وطاقم فيلمه ثلاثة أشهر في القرية قبل بدء تصوير الفيلم من أجلِ التآلف مع أهلها.كان فيلمًا فائق الجودة، كُرّم بجائزةٍ خاصة في مهرجان «برلين» كتحيَّة لسينما مُختلفة تَحبو في خطواتها الأولى. ولذلك فإن حتى منع الفيلم أثناء حُكم الشاه بسبب تأثيره على «الصورة الخارجية لإيران» لم يمنع خلقه لجيلٍ جديد من السينمائيين يتعامل مع تفاصيل الحياة اليوميَّة باعتبارها حكايات مُدهشة يجب أن تُروى. وكان على رأس هذا الجيل الأب الروحي والرمز الأول لسينما إيران بعد ذلك: المُعَلّم «عباس كياروستامي»

الوصيّة الثانية: «الشجرة المُثمرة لا تُزرع خارج الديار»

لماذا نَحنُ هُنا؟ لماذا لا نذهب إلى أرضٍ أخرى تَطُل على شطآنٍ بعيدة ؟ الإجابة يُجملها «كياروستامي» حين رَفض السَّفر إلى خارج إيران بعد الثورة الإسلاميَّة وقال بيقين مُدهش: «حينما تأخذ شجرة مُثمرة من مكانِها وتزرعها في مكانٍ آخر، فهي ببساطة لَن تُثمر»
الصورة كانت سوداويَّة بشدّة في هذا الوقت: وصول «الخميني» إلى السلطة وتقييد الحكومة للحريَّات العامة تزامن مع رؤية شعبويَّة للسينما وصناعها باعتبارهم من مُخلَّفات نظام الشاه، مما أدَّى لحرق ما يقارب مائتي دار عرض سينمائي كجزءٍ من «الثورة»، وجَعل نضال الفنانين على جبهتين: مع الرّقابة من ناحية، ومع النّاس أنفسهم وتَطوير وَعيهم ورؤيتهم للسينما من ناحيةٍ أخرى.
القرار الأهم لسينمائيي إيران الكبار كان أن «تِلكَ هي أرضنا». صحيح أن هُناك الكثير من الفنانين الإيرانيين تركوا البلاد في هذا الوقت، لأسباب منطقيَّة لا يجوز معها اللومِ أو العَتَب، ولكن الاحترام والخلود والمَجد الحقيقي كان لهؤلاء الذين بَقوا وأسَّسوا لسينما إيرانية على مدار عقود وسط ظروف شديدة الصعوبة.
عَبَّاس كان يتحدَّث عَن الجميع حين تحدث عن نفسه قائلا: «حتى لو أثمرت، فلن تَكون ثَمرتها كمثلِ ما كانت عليه زَرعة أصيلة في أرضها، تِلك هي الطّبيعة، وسأصبح مِثل تِلك الشجرة لو غادرت».ويُمكن القول أن هذا الخيار كان بداية الطريق

الوصيّة الثالثة: «وانظر إلى الجبلِ الراسي على جبلٍ»

«كياروستامي» – الذي كان قد قدَّم حتى ذلك الحين فيلمًا واحدًا طويلا يحمل اسم «مُسافر» وعدّة أفلام قصيرة أولها هو أهمها ويحمل اسم «الخبر والممر» –  كان أكثر من مُخرج هام يُكمل رحلة البحث والتأسيس لهوية إيران السينمائية. كياروستامي كان مُلهمًا وقائدًا لجيلٍ «الموجة الإيرانية الجديدة».
أدرك السينمائيون الإيرانيون آنذاك أنه لا يمكن مواجهه المُجتمع والنّظام إلا بأن يكونوا كُتلة واحدة، جيل يتحقَّق سويًا. ومن حسن الحظ أنهم حملوا أفكارًا متشابهة حول السينما.
ولذلك فإن تلك المرحلة شهدت إخراج «مجيد مجيدي» و«محسن مخملباف» لأولِ أفلامهم، ثم لاحقًا انضم إليهم «جعفر بناهي». أما «عباس كياروستامي»، فقد كان هُناكَ دائمًا.. يكتب أحد أفلام هذا، ويصنع فيلماً كاملا عن ذاك، ويشارك في الإنتاج أو يساعد في الإخراج مع آخر. كان «المُعلم والقائد» بكل ما تَحمله الكلمة من معانٍ، إلى جانب تقديمه لأفلامه الخاصة التي كان يصل بها كل بضع سنوات إلى ذروة جديدة في السرد
هؤلاء الأربعة – تحديدًا – كانوا رموز السينما الإيرانية؛ الحدود بين أعمالهم لا يمكن تمييزها، ونضالهم مع الناس وضد النظام واحد
وربما لا يُمكن تجاوز تِلك النُّقطة دون الإشارة إلى السينما المصرية. ففي الثمانينيات أيضًا، كانت السينما المصرية تعيش واحدة من أهم ذرواتها وموجاتها، بنفسِ السمات التي تأسست بها نظيرتها الإيرانية. فقط بدلا من الثورة كانت هناك تغيُّرات مجتمعية ضخمة بعد الإنفتاح. والنتاج: جيل واحد خرج سويًا.. قوامه الأساسي محمد خان وخيري بشارة وعاطف الطيب ثم داوود عبدالسيد. جيل أراد أن يقدم سينما مُختلفة تحمل هوية خاصة، وتمثلت ذروة تواصله وتَدعيمه لبعضه، كجبلٍ فوق جَبَل، في تأسيس خان والطيب وبشير الديك والمونتيرة نادية شكري شركة «الصحبة للإنتاج السينمائي» التي أنتجت فيلمًا واحدًا هو «الحريف» الذي يعد من أعظم الأفلام المصريَّة وأكثرها حِملا للهويَّة، وذلك قبل أن تقهرها المشاكل الماليَّة كما قهرت جيل الثمانينيات كله مع مطلع التسعينات بعد أن صارت الضغوطات أكبر من القدرة على إكمالِ الطريق
وبالعودة إلى السينما الإيرانيّة، فإن هذا لم يحدث هُناك. فقد استمر الجيل في تأسيس هويّته، وانضم إليه آخرون، وبدأ العالم يَستمع إلى الصوت القادم من الشرق معبرًا عن سينما مُختلفة

الوصيَّة الرابعة: «تحسب أنَّك جرمٌ صغير وفيكَ انطوى العالم الأكبر»

لماذا استمع العالم؟ لأن الصوت كان مُختلفًا عن السائِد. شيء غير الذي اعتادوا رؤيته. إنها ذاتها.. تِلكَ الحكايات البسيطة عن الهموم اليومية التافهة التي تَحمل في طيَّاتها الحَياة كُلها.
الإيرانيون آمنوا حتى بالفُتاتِ في بلادِهم.. تعاملوا مع كل التفاصيل المُعتادَة بدَهشةٍ ومحبَّةٍ وعِشق، فبدت ذات مَعنى وروح مُختلفة، تُعبّر عنهم، عنهم وحدهم.
لماذا دارت أغلب الأفلام الإيرانية في القرى البسيطة؟ لأن «هؤلاء هم أهلنا» كما أجابَ «محسن مخملباف» يومًا. لهذا يُمكن أن تَجوب الطرق عدَّة أشهر كي تَستمع لهم، تتعامل مع كل موقف عابر باعتباره حَدثًا يجَب أن ترويه، تُراقب النَّبت لأسابيع وهو يُولَد كي تَزداد صِلتك بتلك المَدينة. العالم بالنسبة لَك هو هؤلاء، حتى وإن كَرهوك، لأنهم «مَلح الأرض وإن كانوا لا يعلمون»
وفي نُقطة أقرب، وأكثر تفصيلا، هناك «الأطفال»، الكثير من الأطفال في الأفلام الإيرانية، لأن «العالم عندهم أصغر وأكثر صِدقًا» بحسب ما يرى «مجيد مجيدي»، ولأن «تعبيراتهم وهمومهم المُستقلة أكثر إثارة للاهتمام أحيانًا من شيء يقدمه مارلون براندو» كما يعتقد «كياروستامي»
ومن المُدهش والمُوحِي حقًا أن أغلب الأفلام التي عَرَّفت العالم على السينما الإيرانية وجيلها هذا كانت من بطولة أطفال. «كياروستامي» كان المُلهم الأول كالعادة حين تَناول في «أين يقع منزل صديقي؟» هاجسنا الطفولي الأكبر في أن يسأل المُدرّس عن كراسة الواجب التي نسيناها في المَنزل. «أحمد»، بطل الفيلم، يحاول البحث عن بيت زميله في المدرسة «محمد رضا» ليأخذ منه الكراسة التي نسيها معه لأن المدرس سيعاقبه غدًا لو لم يقم بواجبه. وفي تِلك الرحلة التي تدور في القرية الكثير من إيران، الكثير من الأرضِ والنَّاس، يُمكنك أن تتنفس هواءً فارسياً وأنتَ تُشاهد هذا الفيلم
الطفل في «سائق الدراجة» لـ«مخملباف» رُكن أصيل في حكاية عن الأب الذي يُحاول إنقاذ الأم المريضة، وهو الحكاية كلها في فيلمِ «جعفر بناهي» الأول «البالون الأبيض» الذي كتبه «كياروستامي» عن طِفلة في السادسة تُقنع والدتها بإعطائها مالا لشراءِ «سمكة زينة ذهبية» احتفالا بالعيد، وحين يسقط منها المال في «بالوعة» نجلس معها قرابة الساعة – زمن الأحداث هو زمن الفيلم الحقيقي – في مُحاولة لاستعادته. الطّفل هو الحِكايات كلها في أفلام «مَجيد مجيدي».. هو الذي يكبر قبل الأوان مُتحملا مسؤولية العائلة في «الأب»، وهو الفقير الذي يفقد حذاء أخته الجديد  ويحاول البحث عن حَل يجعلها تذهب إلى المدرسة في «أطفال الجنة»، وهو أعمى في الثامنة من عمره يحاول إدراك الطَّبيعة والحياة بحواسه الأخرى ليرى «لون الجنَّة».. الأطفال والقرى كانوا العالم الأكبر في إيران
الكُلفة كانت لا شيء، والإيمان بالأرضِ وناسها كان كل شيء، والحَصاد كان تواجد السينما الإيرانية على الخريطة العالمية باحترامٍ بالغ، قبل أن تصل عام 1997 إلى ما هو أبعد

الوصيَّة الخامسة: «اذهب بصدقِ الخيال ومُعجزة العُشب»

السينما وُلِدَت بالخيال: خيال الأفكار وخيال الفيلم الروائي الذي جعل الناس يقبلون على مشاهدة الحكايات. ورغم ذلك فإن سؤالاً مؤرقًا، لكل سينمائي ربما، يدور حول النقطة التي ينتهي عندها الواقع كي يبدأ الخيال. لماذا نصنع سينما «وثائقية»؟ وهل الحقيقة في تلك السينما أكثر حقيقية منها في قصة مُتخيَّلة؟ وكيف يحدث تآلف بين السينما الروائية والتسجيلية؟ هل هذا مُمكن أصلا؟
«كياروستامي» فقط امتلك الإجابة، ثم تبعته السينما الإيرانية في إحدى النَّقلات الكبرى التي جعلتها تمتلك صوتًا مختلفًا عن العالم. الإجابة كانت «تفكيك السرد السينمائي» ورواية الحكايات بطريقة مُختلفة تجعل التماهى مُدهشًا وفي ذروة مراحله يمتزج الواقع والخيال.
البداية إذن كانت، وكما كانت دائمًا، مع «كياروستامي» حين قدم عام 1990 فيلمًا استثنائيًا يحمل اسم «كلوز أب».. ذلك هو العمل الإيراني الذي يجب على الجميعِ مُشاهدته قبل الموت!
الأمر بسيط : كان «كياروستامي» يجهّز لأحد أفلامه حين قرأ في إحدى المجلات الإيرانية خبرًا عن شخص سيقدم للمحاكمة لأنه انتحل شخصية المخرج «محسن مخملباف». تقصّى كياروستامي الأمر، ثم قرر أن يُؤجل الفيلم الذي يعمل به ليصنع فيلمًا عن تلك الحادثة؛ قرر أن يصور المُحاكمة ويجري لقاء مصورًا مع المُنتحل.. فامتلك مادة وثائقية لم يُدرك في البداية ماذا يمكن أن يفعل بها، ولكنه في النهاية خَلَق ذروة من ذروات الفن: قصة شغف عن السينما وعن إيران
«حسين سابزيان»، بطل الفيلم، ينتحل شخصية «مخملباف» لأن حلمه الأكبر هو أن يصبح مخرجًا وصانعًا للأفلام. «كياروستامي» رأى أن كل مخرجي جيله هم «سابزيان».. الفارق فقط هو الفرصة التي مُنِحَت لهم. وحين يُنهي المخرج الفيلم بلقاء «سابزيان» و«مخملباف»، في واحد من أكثر المشاهد السينمائية «طيبة» في التاريخ، تتجلَّى عظمة العمل الحقيقية: «كياروستامي» حقق حُلم وشغف «سابزيان» السينمائي بصناعة فيلم عنه وجعل الواقع يَخلق السينما والسينما تُغيّر في الواقع وتجعل كُل الأحلام مُمكنة.
المُعَلّم الإيراني كان دقيقًا حين قال «لا يمكن أن نقترب من الحقيقة إلا عبر الخيال». وقد صار هذا أسلوبًا سينمائيًا مميزًا له فيما بعد. إذ تكرر بعد عامين في فيلمه «الحياة تستمر»، حين ذهب بالكاميرا ليبحث عن «أحمد» بطل فيلم «أين يقع منزل صديقي؟» بعد حدوث زلزال مُدمّر في بلدة «كوكر»، ليصنع من رحلته الوثائقية فيلمًا روائيًا عن غريزة البقاء والاستمرار، أو كما قال هو: «الزلزال وقع في الخامسة صباحًا. أي شخص من هؤلاء الأحياء الذين قابلتهم كان يمكن أن يكون نائمًا ويموت أيضًا. كان هناك امتنان عند كل منهم لبقائه حيًا»
«مخملباف» يلتقط خَيط التفكيك السردي من «كياروستامي» فيقدّم ثلاثية تدمج بين الواقع والخيال والشغف بالفن وهي: «حدث ذات مرة في السينما» و«الممثل» وأخيرًا «سلام سينما»، قبل أن يُكمِل المَسيرة المُدهشة عام 1996 بفيلمه الأعظم «لحظة براءة».. فيلم داخل فيلم عن «المخرج مخملباف» الذي يُعيد رواية جانبًا من سيرته وهو شاب أثناء الثورة الإيرانية وقيامه بطعن ضابط شرطة في أحد الاحتجاجات.. الفيلم يكشف كيف يُمكن تغيير الذكريات بإعادة سردها سينمائيًا؟ والنتيجة كانت ذروة أخرى من ذروات السينما الإيرانية التي أصبحت في هذا الوقت في واجهة العالم
بعدها بعامٍ واحد، 1997، كان التكريم والانحناء الأكبر حين رُشّح «مجيد مجيدي» لأوسكار أفضل فيلم أجنبي عن «أطفال الجنّة». والأهم: «كياروستامي» يفوز بالسعفة الذهبية لمهرجان «كان» السينمائي عن رائعته «طَعم الَكَرْز»، التي يقدّم فيها سردًا وحَكِيًا مُختلف عن الحياة والمَوت
في هذا الوقت أيضًا، وبعد أقل من أسبوعين من انتصار «السعفة الذهبية»، فاز «محمد خاتمي»، المُتفتّح والمُشجّع على إنتاج الأفلام، برئاسة الجمهورية الإيرانية باكتساح. ودارت التحليلات السياسية وقتها حول تأثير فوز «كياروستامي» في «كان»، وفخر الإيرانيين برمزهم السينمائي الأول، في ترجيح كافة «خاتمي» كانتصار للفن والحريَّات
بدا حينه أن لكل شيء مَعنى: الرهان على الأرضِ والنَّاس والسينما، والبقاء في إيران رغم كل الظروف العَصيبة. فالشجرة أنتجت أول الثّمار المُجتمعيَّة لنضالٍ طويل بالأفلام ضد الكبت وتضييق الحريَّات. وكانت تلك لحظة مثاليَّة لانتصار الخيال على الواقع.. انتصار «الثورة» الحقيقية التي ظَلَّت مُستمرّة لسنواتٍ طويلة

الوصيّة السادسة: «الأرض لَكُم وأنتم الطّريق»

لَم تَستمر الصورة بنفس المثاليَّة، وكان ذلك أمرًا محزنًا. فترة رئاسة «خاتمي» كانت إحباطًا جديدًا للآمال التي عُلّقِت عليه في البداية، رغم فتحه الباب لبعض الأفلام التي تنتقد السياسة الإيرانيَّة، مثل «الدائرة» لـ«جعفر بناهي» الذي فاز بالأسد الذهبي لمهرجان «البندقيّة»، أو «قندهار» إحدى ذروات «محسن محملباف»، أو «التفاحة» لابنته «سميرة مخملباف»، وغيرها من الأعمال التي لم يكن من الممكن خروجها للنور إلا بمساحة من الحرية أتاحها
ومع انتهاء فترة خاتمي الثانية عام 2005 كان على السينمائيين مواجهة حقيقة أن التيار الإسلامي المُتشدّد المتمثّل في «محمود أحمدي نجاد» وصل إلى السلطة من جديد، وأن نضالا، أصعب ربما من كُل ما مَر، سيواجههم
لكن النَّتيجة على الأرض كانت مُفزعة «مجيد مجيدي» لم يستطع أن ينتج إلا فيلمًا واحدًا؛ «مخملباف» هَرب إلى الخارج وأخرج عملا كارثيًا يحمل اسم «الجنس والفلسفة» بدا فيه بعيدًا عن كُل ما مَيَّزه  حتى «كياروستامي» نفسه لَم يَحتمل لأن «الهواء لم يعد كافياً للتنفّس» بحسبِ تعبيره، وأخرج فيلمين في فرنسا واليابان تم عرضهم في «كان» ولكن بعد أن فقد الكثير من السّحرِ القديم، تمامًا كالأشجار التي تُقتلع من أرضها
الأسوأ من كُل شيء كان الحُكم بسجنِ «جعفر بناهي» لمدة ستة أعوام ومنعه من الإخراج أو التأليف أو العمل بالسينما لعشرين عامٍ. السبب غير المُعلن كان مُناصرته للمعارض الإيراني «مير حسين موسوي» في الانتخابات الرئاسية عام 2009  أما السبب المعلن، والكارثي، فقد كان «تقديمه لأعمال ضد الحكومة الإيرانية تسيء لصورة البلاد في الخارج»
الصورة بدت قاتمة.. لم تعد هناك نقطة نور واحدة.. لم يعد هناك معنى أن تنظر إلى السماء.. إذ لا سماء هُناك
لكن وسطَ كل هذا القبح، ويا للعجب، كان هناك جيلا إيرانيًا جديداً يُولَد حاملا الرّاية من أسلافه.. جيل مَثَّلته عدّة أسماء على رأسها «رافي بيتس» بأفلامٍ ذات روح مُختلفة كـ«هذا الشتاء» أو «الصيَّاد»، و«بهمان غوبادي» الذي وصل لإحدى الذروات مع «السلاحف أيضًا تَطير» و«وقت الخيول المخمورة» وفيلمه الجرئ جدًا الذي يتناول الموسيقى غير الرسميَّة في إيران «لا أحد يعرف شيئاً عن القطط الفارسية»، وهو الفيلم الذي كان مُلهمًا مباشراً للفيلمِ المصري «ميكروفون»، ثم.. جاء النابغة «أصغر فرهادي» الذي أخرج عملا سينمائيًا عظيمًا – «عن إيلي» – فاز به بالدب الفضي لمهرجان «برلين» عام 2009، قبل أن يَصل بعدها بعامين إلى أبعد مما حققه أو وَصل إليه حتى أسلافه العِظام حين جمع بين الدب الذهبي وأوسكار أفضل فيلم أجنبي جاعلا العالم كله يَقف احترامًا لتحفته «انفصال نادر وسيمين»
والأهم أن فرهادي كان يَذكر «جعفر بناهي» في كُل مَوْضِع مُتاح ليُذكّر العالم أن مُخرجًا في هذا العالم قد يتعرَّض للحبس بسبب فَنه. أما «جعفر» نفسه، فهو لم يَتوقف أو يصمت كما أرادت حكومة «نجاد». حيث أنه أخرج أثناء إقامته الإجبارية عملا وثائقيًا عن تجربته يحمل اسم «هذا ليس فيلمًا» ليؤكد فقط أن ما من أحد يمكن أن يُجبرنا على السكوت
في النهاية، ستذهب حكومة «نجاد»، أو أي طَاغية آخر يَلهو بحريَّة الناس، وستبقى الثورة وشرائط الأفلام وأفكاركم حيَّة بداخلها.. ستبقى الأرض لَكم إن أحببتموها، وستذكركم وقت أن يُنسى الجَميع

الوصيَّة الأخيرة: «ستصل على الدوام إلى هذه المَدينة/لا تأمل في بقاعٍ أخرى/ما من ب سُفنٍ لأجلك وما من سبيل»


الأربعاء، 4 يوليو 2012

Je Vais Bien, Ne T'en Fais Pas - 2006



Lili, take another walk out of your fake world
Please put all the drugs out of your hand
You'll see that you can breathe with no back up
So much stuff you've got to understand
For every step in any walk
any town of any thought
I'll be your guide
For every street of any scene
Any place you've never been
I'll be your guide



قليلة هي الحالات التي أحتار فيها في اختيار عبارة أعنون بها قراءتي, فثمة ثقة دائمة لدي بقدرتي على صناعة "المانشيتات" الملفتة. ولكن هذه المرة يبدو أن مقدرتي قد خانتني..! حقاً لا أدري !.. فكل الأفكار التي وجدتُها كانت تبدو غير كافية.. أنا أمام حالة لا تناسب الوصف بكلمات مفتاحية.. مستوى الصعوبة هنا لم يكن من منطلق ضعف التعبير, ولكنه كان بسبب حكاية يصعب اختصارها بحكمة أو "مانشيت". أخرجُ من الفيلم باكياً مع أغنية النهاية, رغم أن النهاية لا تبدو كئيبة إلى الحد الكافي, متلعثماً في التوصيف, أحس بضعفي وتسرعي في الحكم على الشخصيات كثيراً قبل الدقائق الأخيرة التي صعّدت كثيراً من قيمة عمل بدأ هادئاً جداً أولاً إلى درجة البرود, ويبدو أن هذا إجمالاً من سمات العديد من الأفلام الأوروبية -قديمة كانت أم جديدة- في الخروج الملفت من فكرة كانت تظهر لنا على أنها محور العمل إلى جوانب أخرى, على شكل دراما متعددة الطبقات, الأمر الذي تتعثر هوليوود كثيراً في تناوله, وهذا حال هذا الفيلم الذي لا أستطيع إلا أن أجد فيه من الجودة الكثير من المواضع التي تستحق برأيي الترشح إلى (السيزارات) الخمس التي ترشح لها بالفعل.
ظل الأخوان التوأمان مادة دسمة على الدوام في الدراما كما هي في التشريح والتشخيص وعلم الفلسفة على حد سواء, ولا أدري إلى أي درجة من المصداقية تناولت الدراما إجمالاً الحكايات "التوأمية". حتى في الفيلم الذي أتناوله اليوم إحدى المسائل التي لطالما أحسستُ أن الفن أعطاها الكثير من التهويل. عموماً في البدء كنتُ أرى أن في الفيلم هنا تطويلاً غير مبرر بشكل خاص للحالة المرضية التي عانتها Lili على إثر غياب أخيها Loïc.. ولكن في النهاية وجدتُ أن ما كان من تكثيف في القضية كان ملزماً نسبياً, وعليه فلن أنتقد القصة التي سطّرها Olivier Adam ولعله قام بالبحث والتمحيص الكافيين لذلك. لكن إجمالاً ولكي أبني أحكامي على تجربة, فلقد كان -وما زال- عندي صديقان توأمان "حقيقيان متشابهان تماماً"عايشتهما خلال الدراسة, وليس من الصدفة أن كان مجموعاهما متقاربين في الشهادة الثانوية فدخلا معي معاً ذات التخصص في الجامعة كذلك, وكان لديهما ارتباط نفسي غريب يشبه التخاطر (telepathy) ولا شك أن هذا بالذات هو أحد الأمور التي حاول الأبوان في فيلم (أنا بخير, لا تقلقي) أن يضللاها في ابنتهما Lili التي كان ينتابها شعور غير جيد على الإطلاق عن أخيها الغائب Loïc.

Je Vais Bien, Ne T'en Fais Pas - 2006



دعوني لا أنكر أن Mélanie Laurent ذلك الوجه الساحر الذي طالما شدني هو وراء بحثي عن الفيلم, فالمؤشرات تؤكد أن هذا الفيلم كان بوابتها إلى النجومية الكبيرة النابعة من عشقها التمثيلي الذي بدأ مع طفولتها. إضافة إلى وجود Philippe Lioret المخرج الذي يؤكد سجله الفني أنه يقدم أعمالاً كبيرة أثيرة بمشاهدتها والتوقف عندها لا سيما مع قصص Olivier Adam.. لذا فلا أعتبر أنني غامرتُ بالمشاهدة, فكل المعطيات التي توفرت لدي كانت تنبئ أنني سأشاهد فيلماً جميلاً, رغم أنني آثرت أن لا أقرأ أو أعرف أي شيء عن ذات الفيلم وقصته إلا بعد أن أشاهده...







أنا بخير.. ولو كذباً..!!



== تحذير: نهاية الفيلم مذكورة في المراجعة.



  عادت Lili الابنة ذات التسعة عشر ربيعاً من عطلتها الترفيهية في إسبانيا إلى منزل أهلها الباريسي, توقعت أن ترى أبويها وأخاها في استقبالها بعد شهرين من الغياب, فكان أن وجدتهما هما فقط. ولا شك أنه كان من المنطقي أن تسأل الفتاة عن Loïc أخيها التوأم الغائب عن استقبالها, فتم إخبارها أنه غادر المنزل وأن أبويها لا يعرفان مكانه. أما سبب رحيله فكان خلافاً شابه بعض العنف مع والدها في ذات الأمور الروتينية الحاصلة من قبل بينهما. بدت Lili مذهولة نسبياً وغير قادرة على تصديق تلك الحجة, فهي حالة متكررة كثيراً لم تتسبب من قبل ببلوغ هذه الدرجة من الخصام. على كل حال فتحت Lili هاتفها واتصلت فوراً بـLoïc فسجلت له رسالة في بريده الصوتي مفادها أنها تطالبه بأن يتصل بها بما أنها عادت للبحث عن تسوية أو على الأقل سماع أخباره وكيف يتدبر أموره. وزارت أحد أصدقائه الذي ما كان يعرف معلومات عنه مؤخراً, وقال لها أن كل ما يعرفه عنه أنه حمل غيتاره وسجل لها أغنية باسمها فضلاً عن هوسه برياضة تسلق المرتفعات...
ثم مرت الأيام دون أدنى اتصال من الأخ الغائب.. إلى أن امتلأ بريده الصوتي دون أن يرد إلى توأمه الكئيبة أي رد منه, فبات هاجسها الوحيد أن أخاها قد حدث له شيء, كانت تشعر أن السبب الحقيقي لرحيل أخيها ليس ما قيل لها, وسيطرت عليها مطولاً فكرة أن أخاها قد مات فمن المستحيل لـLoïc أن يتجاهل كل هذه الاتصالات والرسائل منها هي بالذات.. لامت أباها على عدم البحث عنه حتى في المستشفيات والفنادق, ولم تكن لتقتنع أن Loïc سيرفض أن يرى أباه أو سيهرب منه مهما حصل فيما لو بحث الوالد عنه. ثم أصيبت Lili باكتئاب حاد, وفقدت شهيتها كلياً إلى أن سقطت صريعة النحول والضعف في الجامعة, ثم نُقلت إلى المستشفى, هناك حيث قرر الأطباء أن مشكلتها نفسية مطالبين أهلها وأصدقاءها بعدم زيارتها مطلقاً ما لم تأكل, سالبين منها هاتفها المحمول ومشغل أسطواناتها الموسيقية وكل أشيائها.. على أن هذه الضوابط هي جزء من العلاج. ومر الزمن والفتاة تعتاش على المحلول الطبي الذي كان الوسيلة الوحيدة لمنع جسدها المتناحل ووجهها المصفرّ من الدخول في غيبوبة.. ثم قامت بمغامرة ساذجة حينما غافلت الطبيبة المناوبة فاتصلت بصديقتها Léa التي شاركتها من قبل رحلة إسبانيا وصديقها Thomas, فاقتحم الصديقان المستشفى محاولين أخذ Lili واستعادتها لهاتفها المحمول الذي كانت تتوقع أن تجد عليه أي رد أو مكالمة فائتة من الأخ.. لكن المغامرة لم تكتمل, وتم اكتشافها فأوقفها الأطباء المناوبون وعادت Lili إلى عزلتها وسجنها الطبي.. إلى حين حصلت المفاجئة.. ووصلتها رسالة من أخيها إلى منزلها يبلغها فيها أنه "بخير" يجوب البلاد مع غيتاره ويشق طريق حياته بنفسه, رسالة نقلها الأبوان إلى الفتاة وهما في غاية السعادة, فاستعادت تدريجياً ألقها ورغبتها بالعيش, واستأنفت حياتها التي أصبح محورها البحث عن أخيها الغالي البعيد.


   * بعد ذلك توافدت الرسائل من الأخ من عدة مدن, كانت جميعها تشير إلى أنه يستمتع بحياته, وفي كل الرسائل كانت عبارات القدح والإساءة للوالد حاضرة, تلك العبارات التي دارتها Lili من أن تصل إلى أسماع والدها أولاً رغم قراءتها لها أمام أمها, ثم أصبح الوالد يصر على سماعها.. ثم بدأت الفتاة بالبحث عن أخيها في المدن القريبة دون أن تنجح في التوصل إلى نتيجة. ومع انتهاء الموسم الدراسي وبعد أشهر عديدة, فوجئت Lili بانفصال صديفتها Léa عن Thomas فأصبح الأخير الرجل الوحيد في حياتها, وتطورت علاقتها به شيئاً فشيئاً إلى أن أصبحت حباً. أما Thomas فقد حرضّ Lili على ضرورة الانفصال عن والديها والبحث عن حياتها الخاصة وبيتها المستقل, لاسيما أن رسائل Loïc كانت تدعم هذا الجانب, فكثيراً ما طالبها فيها بعدم الانصياع لرغبة أبيها وشق حياتها.. ومع انتهاء الدراسة بدأ الطلاب يفكّرون في قضاء عطلاتهم في مدن عدة فاختارت Lili مدينة ما, لكنها غيرت رأيها دون أن تخبر أبواها أو حتى صديقها بوجهتها.. وشاءت الأقدار أن تجد Thomas هناك.. ثم كانت الصدمة الحقيقية حين شاهدا والدها يرسل رسالة من تلك المدينة -دون أن يراهما- ثم حين عادت للمنزل بعد أيام تم إبلاغها أن رسالة قد وصلتها من أخيها من تلك المدينة بالذات لكنها هذه المرة تضمنت أنه سيسافر إلى خارج البلاد كلياً, فأيقنت أن كل الرسائل لم تكن من Loïc بل من الوالد الذي ظل طويلاً يقلّد خط ابنه ليبث الأمل والرغبة في الحياة في ابنته.. تقبلت الابنة الأمر وفهمت أن ما قام بها أبوها ليس إلا حفاظاً على حياتها من أن يفقدها أيضاً بعدما رحل ابنه, حتى أنها صارحت أبوها وأمها بالأمر.

   * وفي أحد الأيام قررت Lili أن تدخل صديقها إلى منزلها ليتعرف على أهلها, لاسيما أنهما بدأا يبحثان الانتقال من المدينة, فحددت لـThomas موعداً وذهبت تشتري هدية تليق بالمناسبة.. إلا أن Thomas في صبيحة ذلك اليوم كان مع والديه في مقاطعة مجاورة فاصطحباه في زيارة لقبر جدته.. ولشد ما كانت صدمته كبيرة حين قرأ في المقبرة اسم Loïc Tellier على إحدى شواهد المقبرة متوفىً منذ عام مضى.. فعاد الصديق مسرعاً إلى منزل والدي Lili قبل أن تحضر هي من منزلها.. فسألهما عن الحقيقة بعدما رأى من اسم على ذلك القبر, ليكتشف أن Loïc قد توفي خلال زيارة Lili إلى اسبانيا جرّاء سقوطه من منحدر كان يتسلقه,و ثم اعترف له الأبوان بأنهما كانا يخشيان على ابنتهما هول الخبر فكذبا عليها بتلك الكذبة, ثم أصبح من العسير بعدما جرى كشف الحقيقة لها, وطالباه أن لا يخبرها شيئاً. أما هي, فعادت حاملة هديتها, ورغبةً منها في إخفائها دخلت إلى مرآب سيارة والدها لتخبّئها, وكانت الصدمة أنها وجدت ضمن السيارة غيتار أخيها.. فأدركت تمام الإدراك أن أخاها لم يعد له وجود.. رغم ذلك دخلت Lili وشاهدت أجواء مشحونة داخل المنزل مع أبويها وصديقها.. ثم خرجوا كلها, في حين كانت وصديقها يلمحان لبعضهما بالحقيقة كشيء خفي حين قال كل منهما للآخر أن لديه شيئاً ليقوله.. ثم بعنفوان كان هذا الشيء ليس الحقيقة الخفية.. بل كلمة "أحبك".....


  أكثر ما يلفت في القصة هو الدراما المتعددة الطبقات التي تتطور وقائعها وشخصياتها كثيراً من البدء إلى النهاية, حتى أن القصة ذاتها تنقلب كلياً من مسألة اختفاء ابن تخاصم مع أبوه كحكاية مألوفة جداً, ليندرج فجأة ضمنها علاقة التوأمان ببعضهما البعض وإحساسهما الكبير بالآخر, فلشد ما كانت Lili تستشعر المأساة مسبقاً قبل أن توصلت بنفسها إليها. الأمر الآخر الذي يمكن لمسه بوضوح هو مقدار الحب الشديد الذي صبّه الأبوان في الرواية, فالكذبة التي يبدو أنه كان مقدراً لها أن تكون مرحلية أصبحت سبيلاً للحفاظ على حياة ابنتهما الوحيدة الباقية, نعم هي كذبة, وصحيح أنه ليس للكذب ألوان إلا أنها كذبة بيضاء ملائكية,  تعبر بوضوح عن طيبة الأبوين وحرصها ورغبتهم الجارفة في الحفاظ على الأسرة من هول فاجعة جديدة, وكم هو من العظمة ما قام به الوالد خصوصاً, الذي آلى على نفسه أن يظهر بمظهر المخطئ الذي تسبب برحيل ابنه, وأرسل لابنته عشرات الرسائل على أنها من أخيها متضمنة الشتم له شخصياً, رغم إدراكه الكبير أن الكذبة لا يمكن أن تستمر للأبد. إذاً فالنص قد تعامل مع تطورات الموقف بذكاء واضح مدروس جعل منه نصاً غير اعتيادي يصعب وصفه قادراً على فلسفة خبايا النفس ورغباتها, وذا مناخ متوازن خصب ليعكس أفكاراً عديدة ويطورّها.. وكوني لا أدري حقيقة العلاقات الاجتماعية في فرنسا, فربما لا يحق لي توجيه انتقاد هنا؛ حيث أنني توقعت أن ينكشف الأمر من الجيران أو أصدقاء العائلة في مثل هذه الحالات, فالعمل قد صوّر لنا تلك الأسرة على أنها شبه معزولة عن الناس وقلل الشخصيات الهامشية إلى أقل الحدود.
فنياً.. قدمت Mélanie Laurent أداء رفيعاً متطوراً بما يتوافق مع القصة المتصاعدة, وأظهر Kad Merad الوالد بصورة إبداعية كبيرة أثيرة بالاحترام والتقدير, فكانت هاتان الشخصيتان المفعمتان بالمشاعر قادرتان على إغناء العمل بالإمتاع, ولا شك أن Julien Boisselier كصديق وIsabelle Renauld كأم كانا اختياراً موفقاً للأدوار الداعمة التي تجعل من الشخصيات شخصيات تذكارية لا تُنسى. أما من ناحية المونتاج فتقسيم العمل زمانياً وإظهار التاريخ رقمياً كان أمراً ضرورياً لإكمال القصة وتوضيحها في ذهن المشاهد. أما الصورة فبين العواصف والأمطار والشمس والألوان تنوع خصب تماشى مع المشاعر والانطباعات فزين الفيلم, في حين كانت الموسيقى بسيطة تكاد تكون تكرارية مع أزمنة وآلات متعددة... لكن بقيت تدور حول أغنية Aaron التي استهللتُ بها مراجعتي والتي كانت -وفق رواية العمل- مهداه من الأخ الغائب إلى أخته, والتي حين تتدفق في آخر العمل ستحمل لنا نوبة حادة من الشعور الغريب بألم الوداع والغياب الذي لم أستطع شخصياً مقاومته, فبكيت..

 


 IMDB

بقلم : نزار عز الدين .. 

السبت، 2 يونيو 2012

Blow-Up 1966


إذا كان لدي هدف فهو الهروب من الحرفية أو الموضوعية
وردت هذه الجملة في محضر حديث المخرج البولندي الراحل كريستوف كيسلوفيسكي عن سينماه ,, ولكن حديثه هذا ,, بدا لي فيه من سينما المخرج الايطالي مايكل انجلو انتونيوني الكثير ,, وخصوصا عند الحديث عن فلمه هذا الذي منحه السعفة عام 66 ,, العام الذي كان بمثابة تكليل نجاح وراء نجاح للايطالي المبدع والذي أفضى عن ما سمي حينها ( بفلم النقاد ) أو افضل فلم لعام 66 .. ما جعل هذه الجملة ,, افتتاحية مراجعة عن فلم انتونيوني هذا ,, هي لعبة الوهم التي اخترقها انتونيوني والتي اعطت في ختام الفلم ,, قوة الواقع ,, وقوة موضوعيته ,, رغم ان نقطة انطلاقتها كانت الوهم ,, ونقطة تأثيرها الوهم ,, وطريقة طرحها واسلوبها اعتمد على الايحاء ,
تحرير : فراس محمد
.
الرجل اراد ان يصنع فلمه هذا بقوانينه الخاصة ,, دون أن يكسر أو يهمش ما ساد حينها ,, أو ما يُعتبر اليوم كلاسيكيا ,, وهي الحالة التي يتلقى بها الجمهور الفلم ,, بالطريقة التي يتقبل فيها الجمهور هذه القوانين ,, كان انتونيوني يهمس في صوامعه صوتا آخر ,, يروي حكاية اخرى ,, فأعطى للفلم لون الواقع ,, وكساه بلغة الوهم ,, مع كثير من المشاهد التي تبدو خارج نطاق الفلم أو غير متفرعة عنه ,, هناك مجموعة من الحمقى أو المجانين ,, يهرعون جيئة وذهابا في شوارع لندن ,, يتقبلهم الناس دون استغراب وكأنهم جزء من هذه المدينة ,, وجزء من ما تحمله من التناقضات التي سيبرزها انتونيوني في ما يتبع من مشاهد ولقطات ,, هناك سيارة فارهة ,, وبها جهاز راديو أو باعث اشارة ,, يتصل بها شاب وسيم ( اصبح فيما بعد ثيمة وجزء من الثقافة الشعبية – شبيه بالحالة التي صنعها الفيس بريسلي في اميريكا او جون لينين في انكلترا ) ,, هناك مروحة خشبية عملاقة اثرية اشتراها هذا الشاب كديكور في قاعة التصوير ,, هناك ألبوم للصور يبرز كل فترة ,, يظهر به لقطات لم تعهدها مدينة لندن ,, في ازقتها ,, في شوارعها الخلفية ,, وكأنهم عمال مناجم ,, وكأنهم اسرى حرب ,, لماذا هم في البوم صور هذا الرجل ,, ولماذا هو ابدى هذا الاهتمام بهم
هذا ما يرينا اياه انتونيوني ,, ولكن في مكان آخر ,, يروي حكاية اخرى ,, حكاية الرجل الذي اكتشف جريمة قتل ,, في أحدى المنتزهات ,, جريمة غامضة التفاصيل ,, تفاصيلها كما تبدو غير مكتملة ,, كادت ان تمنح الفلم عنوان ( فلم اثارة أو فلم جريمة ) ,, ولكن في كل زاوية من زوايا هذه الحكاية ,, هناك حكاية اخرى ,, انتونيوني يحرض مشاهديه ,, يدفعهم لتحقيق هذه الرواية ,, للبحث عنها كما بحث هذا المصور عن الجريمة المخفية في زوايا النيكاتيف ,, في زوايا الصور الخضراء ذات المساحات العريضة ,, ذات المساحات الفارغة ,, .
انتونيوني يعود ليؤكد كرهه ,, للحرفية ,, السينما بالنسبة له ليست حرفة ,, هناك شيء ما يُظهر ندم انتونيوني او حسرته على الطريقة التي تتطور فيها الفنون ,, تتطور فيها المجتمعات ,, هناك شوارع خلفية تحوي اسرى حرب ,, تحوي عمال مناجم ,, اضطر ذلك المصور للتخفي كي يجدها ,, كي يعيشها ,, اضطر لدفع رشوة لاحد الحراس كي يدخل لها ,, ولكنه في خارج هذا المكان ,, يستقل سيارته الفارهة ,, والتي يجوب بها ارجاء لندن الساحرة ,, بمبانيها الحمراء والزرقاء ,, بكل ذلك الاختلاف عن ذلك المكان البائس المخفي في مجاهل لندن ,, انتونيوني صنع تلك النوعية من الافلام التي يحللها النقاد مشهدا بمشهد ,, كالمواطن كين وراشمون وأوردت .. ألوان الأبنية ,, طريقة تثبيت الكاميرا على حافة السيارة السوداء ,, التي اظهرت ذلك الجانب المتلألأ من ابنية لندن ,, ومن خلفها المقصد ,, هناك شيء ما في تلك المدينة ,, اشبه ما يكون بمنديل حرير يغطي الشوك ,, هناك في لندن ( تلك المدينة الكونية ) ,, تسير الامور باتجاه غير عادل ,, نرى ذلك المصور المحترف ,, يدخل الاستديو الخاص به ,, ويتقابل بتلك الحسناء ( الموديل ) ,, التي انتظرته لساعات كي يأخذ لها بضعة صور ,, هذا المصور المحترف الذي يمثل ذلك الاتجاه الذي يتجه به تطور المدينة ,, التي تظهر ما لا تكمن ,, تظهر ما لا تحوي ,, هناك جمال ,, جمال غير عادي ,, جمال في مظهر المدينة اثناء قيادة المصور المحترف لسيارته الغالية الثمن  ,, هناك جمال غير عادي في مظهر تلك الفتيات اللواتي يتوسلن العمل كموديل ,, هناك جمال غير عادي في تلك الحسناء التي انتظرت المصور لساعات كي يأخذ لها بعض الصور ,, هذا الجمال المزيف ,, جمال للبيع ,, للعرض لا أكثر ,, فتلك الابنية الحمراء ,, تعطي وراءها ازقة مكتظة بعمال مناجم واسرى حرب ,, تلك الحسناوات ,, لا يملكن أكثر من جمالهن لابرازه ,, هذا المصور ليس إلا تاجر جمال ,, تاجر سلعة ,, محترف ,, وهذا ما يمقته انتونيوني ,,
تبدأ جلسة التصوير ,, ليبدأ انتونيوني في صياغة فكرته عن الاحتراف في هذه المهنة التي تظهر مدى التناقض التي تعيشه هذه المدينة ,, ويأخذنا انتونيوني في هذا المشهد لابعد ما يمكن تصوره ,, وهو ان يُظهر جلسة التصور اشبه ما تكون بعملية ممارسة جنسية ,, بدت فيها العارضة اشبه بدمية ,, أو بعجينة ,, بين يدي هذا المصور الذي يحرضها لاظهار ابرز مافي مفاتنها من جمال ,, كي يتمكن من تجميده على ورق ,, في صورته لهذه الموديل ,, ولكن في الليل ,,سنرى تلك الموديل ,, بتلك الحقيقة التي تحاول لندن بكل ألوانها أن تخفيه ,, ( حياة الليل ) التي تمكنت لندن من بيعه ,, من استغلال مافيه من جمال ,, لبيعه ,, ,,  لذلك المصور الذي لا يتوانى عن توجيه كافة اشكال الاهانة لعارضاته كي يتمكن من التقاط صور لهن ,, وهذا ما اعطاه مطلق الصلاحية لأن يفعل بهن ما يرغب ,, يطردهن ,, يصرخ في وجوههم ,, يمارس معهن العاب التعري ,, فلندن الجديدة ,, لندن الملونة ,, تحتاج لتضحيات جديدة ,, شيء اشبه ما يكون بشرعنة الدعارة ( بتلوينها ) ,, وهذا ما حاول انتونيوني ان يقوله حينما قام المصور بطرد الفتاتان ولكنهما بقيتا ملتصقتين به مستجديتان ,, هذا ما جعله يستلقي بعد جلسة التصوير متعبا وكأنه وصل لنشوته مع تلك الموديل ,,, هذه هي لندن الجديدة ,, وهؤلاء هم وجوهها اليوم ,, تلك هي طموحات شاباتها ,, تلك هي المهن التي تمنح الشاب القدرة على ممارسة الدعارة بشرعية تامة  ولكن بتسميات اخرى وبسلع اخرى وبضاعة اخرى , وهذا ما جعل تحفة اثرية كتلك التي اشتراها من أحد محال التحف والإغراض التي تحمل قيمة تاريخية ,, تتحول من شيء ذو قيمة أثرية هامة إلى مجرد ديكور في الصور التي تبرز الجمال ,, هذا ما اراد انتونيوني ان يوضحه من كل ما نراه في هذا الفلم ,, وهي التغير الذي يطرأ على قيمة الأشياء مع هذا التغير الحاصل ,, ما القيمة التي يمثلها ذلك المصور المحترف بالمقارنة مع عمال المناجم ,, ما القيمة التي كانت عليها تلك المروحة الخشبية في مخزن التحف وكيف صارت في استديو التصوير ,,  فلتلك المروحة حكاية اخرى ,,
.
.
انتونيوني يروي الكثير من وجهات نظره دون ان ندري ,, أو دون ان يكون لها ( نظريا ) تلك القيمة في الفلم ,, ولكنها تبدو مع النظر للفلم كقطعة واحدة أو ككيان واحد ,, تبدو وكأنها فرع يرفد النهر الأساسي ,, فأذا انتبهتم ,, فأن المصور يدخل لمحل التحف مرتين ,, مرة قبل ان يذهب للحديقة للتصوير ,, ومرة حينما عاد منها ,, في المرة الأولى وجدنا عجوزا جلفا قاسي الملامح والطباع ,, لم يكترث بزبونه وبدا أنه لا يملك الرغبة لبيعه من الأساس ,, بدا عليه الغضب ,, وبدت عليه رغبات التخلص من زبونه هذا ,, ولكن في المرة الثانية التي اتى بها استقبلته أمرأة شابة بدت وكأنها تريد بيع أي شيء وبأي ثمن ,, وهذا ما حصل ,, هناك جيلان ,, مر عليهما هذا الزبون ,, وهناك نوعية معاملة مختلفة حصل عليها المصور جراء عملية المساومة على شراء القطعة ,, وهذا ما يؤكد وجهة نظر انتونيوني فيما يسمى بعرفه ( قيمة الأشياء ,, وطريقة تقديرها )
وهذا ما سيتكرس في اواخر الجزء الأول من الفلم ,, في مشهد المنعطف ,, المشهد الذي يدخل فيه هذا المصور إلى أحد المقاهي ويُبرز ألبوم صوره لأحد معارفه ويقول له ,, ما رايك ,, يجاوبه أنها رائعة ,, نلقي بنظرة على تلك الصور فإذا بها صور عمال المنجم ,, بكل ما تحمله من بؤس وخراب وضياع وتشرد ,, ولكنه يقول في ختام حواره ,, جملة برأيي أنها ( تحمل الفلم على عاتقها ) ,,, وهي ( هذه الصور ستكون لألبومي ,, ولكني سأختمها بصورة هادئة وثابتة ,, اريد نهاية الالبوم أن تكون هادئة ,, بينما بقية الصور فأريدها عنيفة ,, ولكن عن أي صورة هادئة يتحدث ,, أنها لتلك الصورة التي التقطها في أحدى المنتزهات المسالمة ,, الهادئة الخضراء الواسعة التي تحمل من الجمال الكثير ( لدرجة تشك انها تخفي من وراء هذا الجمال شيئا ) ,,
يعود المصور لأستديو الخاص به فتتبعه صاحبة الصور وبدا الحاحها على استعادة فلم التصوير غير بريئا ,, وهذا ما أثار فضول المصور فسايرها ليصل لنقطة التقاء ,, وفي مشهد يعتبر واحدا من اجمل مشاهد الفلم نرى كم هي عظيمة هوامش الحرية التي صنعها هذا المجتمع ( لجزء ) من سكانه ,, ربما للوسماء فقط ,, أو للأغنياء فقط ,, فالمصور في هذا المشهد نتعرف على جزء كبير من شخصيته , هذا الرجل الذي يعيش حالة طيران ,, حالة انعدام وزن ,, يعيشها من خلال مهنته التي بدا مخلصا لها بجد وموهوبا بها فعلا ,, فاستملكته ,, تلك المهنة التي يلف انتونيوني حولها طيلة احداث الفلم ,, بدت وكأنها سيطرت على هذا الشاب ,, فبدا اسيرها ,, وهذه فكرة اخرى احسن انتونيوني تقديمها ,, فأي نوع من التغييرات قد حصلت ,, أهي تلك النوعية التي تجعل الحمقى يدورون الشوارع مطالبين بتوقف الحرب وسفك الدماء ,, أهي تلك النوعية التي تجعل الشابات على استعداد لفعل أي شيء في سبيل العمل كعارضة ازياء ,, أهي تلك النوعية التي تجعل الدخول لاحد المناجم يحتاج لدفع رشوة ,, أهي تلك النوعية التي تجعل أهدء الصور ,, وأكثرها سلاما ,, وأكثرها تعبيرا عن وجه لندن الجديد ,, مسرحا لجريمة قتل غامضة ,,
هنا انتونيوني يصل للقمة ,, هنا انتونيوني يقول لمشاهديه شاهدوا كم أنا عظيم ,, كم أنا جارح وقاسي ,, شاهدوا كيف عريت لكم مجتمعكم ,, شاهدوا ذلك المصور كيف يبحث في أكثر الزوايا ظلمة في أكثر الصور هدوءا وسلاما عن الجريمة ,, شاهدوا كيف اكتشفها ,, وكأنه اكتشف اللغز ,, شاهدوا كيف ان ذلك الالبوم المليء بالبؤس والقهر والذل ,, والعنف ,, انتهى بصورة هادئة ,, تحمل في خفاياها جريمة قتل ,, تحمل في زواياها سلاما خادع وهدوءا كاذب ,, شاهدوا كيف تحول مجتمعكم ,,
ومع هذا الوجه الجديد ,, لوجه لندن الجديد ,, سنعرف لماذا ,, لماذا يسيطر الوهم على المظهر ,, والواقع تحت ذلك المنديل الحريري ,, وجمال العارضات الأخاذ ,, والأبينة الملونة الرائعة الجمال ,, ليست سوى ,, عنف ,, عمال مناجم قبيحين ,, مع ذلك الوجه ,, وفي هذه المفارقة التي جعلت المصور ,, يبحث عن جريمة غامضة ومختبئة في الصورة الاكثر سلاما وهدوءا ,, وينسى الجرائم المعلنة في صور العنف في مقدمة ألبومه ,, يتناساها ,, بل لا ينظر لها على أنها جرائم ,, لا يراها سوى من ناحية جمالية بحتة ,, لا يرى ما فيها من وجه قبيح لذات المدينة التي ظهرت في صورة الجريمة هادئة مسالمة ,,  هكذا ظهر العنف في صور عمال المنجم انعكاسا في الصورة الهادئة المسالمة ,, انعكاسا للوجه الآخر ,, طرف خيط غير مقطوع ,, واجهة انزاحت عن حيزها الوهمي ,, وهنا نرى كيف انتونيوني يلعب بالوهم ,, نرى المصور في حالة الصدمة ,, في حالة الخيبة ,, ليس في تلك الصورة الختامية السلام الذي ينشده ,, ليس فيها ذلك الهدوء ,, بل فيها من البشاعة ما لا يحتمله عقل ,, فيها من الكآبة والعنف ما يزيد عن صور عمال المنجم ,, لأنها غير ظاهرة , و غير واضحة ,, تجري كالظلال من تحت هدوء المدينة ,, من تحت ابنتيها الحمراء والسيارات السوداء والاستديو الفاره الكبير الذي اصبح ملجأ للجميلات ,, هذا هو الوهم الذي تحدث عنه كيسلوفيسكي ,, الذي يكون أكثر قوة من الواقع ,, أكثر قدرة على كشف الحقائق ,, حتى من الحقائق ذات نفسها من الصور البيضاء والسوداء ,, من الوجوه القبيحة العارية المشردة ,, من عمال المناجم ذات نفسهم ,, وهم الجريمة أقوى من الجريمة ,,
ما يثبت قوة انتونيوني في الاخراج , وما يعنيه انتونيوني كمخرج ,, عظيم ,, يظهر في المشهد الاخير من رائعته هذه ,, فمع توالي احداث الفلم ,, ظل الوهم حبيس مخيلة المشاهدين ومخيلة انتونيوني ,, حتى اراد الختام ,, المشهد الختامي يتجسد الوهم بطلا ,,, ليظهر في كم من الوهم يعيش البشر ,, يُظهر ,, أن التغيير في كثير من الاحيان ,, ليس سوى وهم ,, لكن الواقع مازال مختبئا حتى لو امتنعنا عن مشاهدته ,, حتى لو ظل حبيس الظلمة وراء الجدران ,, حتى ولو أغلقنا عينيا عنه ,, ليس كل التغيير تغييرا ,, الوهم ,, يمنح شعور التغيير , يعطي لمصور محترف قيمة قد لا يستحقها ,, يعطي لعارضة الازياء حياة غير سوية ,, ولكن بالمطلق ,, هذا التغيير منحها الشرعية ,,   ينزع عن تلك القطعة الأثرية قيمتها ,, ويمنحها لفستان ترتديه عارضة أو موديل ,, أولائك الحمقى ,, استقلوا سيارتهم وارتادوا ملعب التنس ,, وأخذوا يلعبون دون كرة ,, دون مضرب ,, ويتقاذفون الكرة ,, ويتبعونها بعينيهم ,, تنتقل الكاميرا  لعيني المصور ,, فنراه يتبع الكرة الوهمية ,, يتبع الوهم ,, ولا يراه ,, كما ألوان الابنية ,, كما اجساد العارضات ,, الحمقى يتقاذفون الهواء ,, الوهم ,, فتعلو كرة الوهم ,, عاليا خارج الملعب ,, المصور يسايرهم في جنونهم ,, يتبع الكرة , يحملها ,, يرميها ,, وتبقى الكاميرا عالقة على وجهه ,, وصوت خافت يظهر ,, يعلو ,, ويعلو ,, يعلو أكثر ,, أنه صوت الكرة ,, صوت الكرة يظهر ويعلو ,, هناك من يتقاذف الكرة ,, الوهم يصدر صوتا حقيقيا ,, الوهم ليس وهما ,, أنه حقيقة ,, الكرة حقيقية ,, صوت أوقف شعر بدني ,, كم أنت عظيم يا انتونيوني ,, كم أنت عظيم ,, صنعت فلما بطله الوهم ,,  صنعت فلما بدا وكأنه فلم اثارة ,, اردت لجميع المشاهدين ان يتفاعلو مع الجريمة الغامضة ,, لتصفعهم في ختام الفلم بحقيقة الوهم ,,
سعفة اخرى ,, وترشيح آخر لأوسكار افضل مخرج ,, وقوة الوهم كافية لتضعك في مصافي ما انجب التاريخ من مخرجين ,,
هذه المراجعة ,, بقيت حبيسة الوهم ,, لأكثر من ستة اشهر ,, من تاريخ مشاهدتي لهذا الفلم ,, وهذه الكلمات هي صدى هذا الوهم ,, الذي صنع فلما عظيما ,, ارجو أن تتم مشاهدة هذا الفلم بكثير من الحذر ,, فأنتونيوني يقول الكثير ,, ومن المحزن ان نمر على ما يقوله من خلال هذه الصور التي تبدو أقرب لأن لا تحمل تلك الكلمات ,, دون أن نشعر بها ,, انتونيوني مدرسة في الحياة قبل ان يكون مدرسة سينمائية ,, ولا اكذب إن قلت ان بمشاهدتي لهذا الفلم زاد تقديري لأنتونيوني كثيرا ,, واصبح بالنسبة لي ,, اكثر من مجرد مخرج عظيم ,,

The French Lieutenant's Woman... ثائرة على عصرها.. ولو بقلبها...

 
(اللامنتمي هو الإنسان الذي يدرك ما تنهض عليه الحياة الإنسانية من أساس واهٍ، وهو الذي يشعر بان الاضطراب والفوضوية أكثر عمقاً وتجذراً من النظام الذي يؤمن بهِ قومه. إنه ليس مجنوناً, هو فقط أكثر حساسية من الأشخاص المتفائلين صحيحي العقول. مشكلته في الأساس هي مشكلة الحرية. هو يريد أن يكون حراً ويرى أن صحيح العقل ليس حراً) كولن ويلسون
(لن تسبق أحداً لا زلت تتبع خطاه) فرانسوا تروفو
She was lost from the moment she saw him - The Movie Tagline

تحرير : نزار عزالدين ...  

   هل يمكن أن أدعو حالتي بـ Meryl Streep Fever؟ لا أعلم.. وإجمالاً ما أعلمه أن هذه الحالة لا تراودني فقط أنا وحدي :-) وثمة ما يدفعني للبحث في أعمال هذه العملاقة عن سر تألقها المستديم, فتستوقفني على الدوام محطات تستحق تناولها بشيء من التمعّن, منها فيلم (امرأة الملازم الفرنسي) ليس فقط لأنه واقع بين أوسكاريتي (كرامر ضد كرامر) و(اختيار صوفي) فحسب.. بل لأنه لفتني أنه ثمة مواصفات لـ(الموجة الجديدة) -التي أعمل على دراستها منذ حين- يمكن قراءتها في هذا العمل كذلك.. وشخصياً فإنني أرى دور ميريل في هذا الفيلم أكثر جمالاً من دورها في (اختيار صوفي) الحائز على الأوسكار, ولربما كان ذلك الأوسكار متصلاً بتفوق مخيف لميريل في نطق اللغات الأجنبية بتعدد لغاتها الأوروبية فيه في دور "صوفي", أو ربما بسبب الحكاية الألمانية النازية فيه.. وأدرك أن الواقع والمنطق يخبرنا ألاّ نقارن أوسكارياً بين الأدوار الحاصلة على الجوائز فيما بين سنين مختلفة. وهذا ليس على أي حال محلّ بحثي الحالي وهو يستحق استطلاعات مطوّلة سأحاول "حركشة" أحد المشرفين (أو ربما المشرفة) في هذا تحقيق هذا الاستطلاع الذي أود أن يكون كذلك -وللأمانة- إحدى "قضاياي السينمائية".. وبما أن قراءتي ستكون مطولة نسبياً فسأقسم مطالعتي للعمل إلى جزأين مستقلين.. الأول هو البناء الشخصي والارتكازي للعمل الذي أحببت تناوله كذلك... والثاني هو البناء الفني النقدي التفصيلي..
  
The French Lieutenant's Woman - 1981

Karel Reisz
   لا يبدو اسم Karel Reisz كمخرج اسماً مشهوراً أو كبيراً في الحجم الرقمي للأعمال التي أخرجها.. ولكنه واحد من بين رواد الواقعية الجديدة في سينما الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.. ولد في تشيكوسلوفاكيا عام 1926 لمحامٍ يهودي هرب من المحرقة إلى بريطانيا. وبقي هناك في بريطانيا إلى أن توفي بعد معاناة مع الاضطراب الدموي عام 2002. له كتاب شهير اسمه (تقنية تحرير الفيلم) طبع أول مرة عام 1953 كتبه قبل الخوض في صناعة الأفلام بشكل احترافي, أي قبل أن يظهر فيلمه الأول (ليلة سبت وصباح أحد: Saturday Night And Sunday Morning) عام 1960 الذي اقتبسه من رواية واقعية اجتماعية وكان أشبه بوثائقي نظراً لاهتمامات مخرجه السابقة في الوثائقيات والمونتاج.. وربما كان فيلم (امرأة الملازم الفرنسي: The French Lieutenant's Woman) أهم أعماله. والجدير بالذكر أنه قاد 3 نجمات ليترشحن إلى أوسكار أفضل ممثلة.. هم Vanessa Redgrave عن فيلمي (مورغان - حالة مناسبة للعلاج : Morgan - A Suitable Case for Treatment) عام 1966 و(إيزادورا: Isadora) عام 1968 - ثم Meryl Streep عن الفيلم موضوع المطالعة.. وJessica Lange عن فيلم (أحلام حلوة: Sweet Dreams) للعام 1985. كما أنه كان عضواً في محكّمي مهرجان كان للعامين 1970 و1983. 
بطاقة تعريف فيلم (امرأة الملازم الفرنسي):
إخراج: Karel Reisz
كتابة: Harold Pinter (النص) - John Fowles (الرواية)
بطولة: Meryl Streep - Jeremy Irons - David Warner
تاريخ الصدور: 18 سبتمبر 1981
المدة: 127 دقيقة
البلد: بريطانيا
الميزانية: 9 مليون
الإيرادات: 26890068 دولاراً
أهم الترشيحات:للأوسكار: خمسة ترشيحات خسرها جميعاً: أفضل ممثلة دور رئيسي: Meryl Streep - أفضل إخراج فني - أفضل تصميم أزياء - أفضل صياغة فيلمية - أفضل نص مقتبس.
للبافتا: حصد الفيلم جوائز أفضل ممثلة وأفضل موسيقى وأفضل صوت.. وكان له ترشيحات لأفضل فيلم, وأفضل ممثل (Jeremy Irons), وأفضل صناعة سينمائية, وأفضل أزياء وأفضل صياغة فيلمية, وأفضل إخراج فني, وأفضل سيناريو.
للكرة الذهبية: حصدت ستريب جائزة أفضل ممثلة. وكان للفيلم ترشيحان إضافيان لأفضل فيلم درامي وأفضل سيناريو.
   يُذكر أن الفيلم كان يتم إعداده ليكون تلفزيونياً, لكن منتج الفيلم اختار له الشاشة الكبيرة. كما أن مشروع الفيلم ارتبط به العديد من المخرجين Sidney Lumet وRobert Bolt وFred Zinnemann وMilos Forman مواطن Reisz اليهودي التشيكوسلوفاكي أيضاً صاحب الرائعتين الخالدتين (أحد ما طار فوق عش الوقواق) و(أماديوس)..
أما الممثلين المرشحين للأدوار فلدور Charles Smithson/Mike تم اقتراح Robert Redford وRichard Chamberlain قبل أن يستقر الدور على Jeremy Irons في حين أنه لدور Sarah/Anna كانت المرشحات Francesca Annis وGemma Jones وHelen Mirren لتحصل Streep أخيراً على الدور الذي ذُكر أنها حصلت منه على مليون دولار في ذلك الحين.
  
اللا انتماء.. وثورة العيش في كذبة ....
   دونما شك فإن منظر المرأة الوحيدة التي تتمشى على كاسر الأمواج رغم وجود نوًّ بحري هائج, هو أحد وأجمل الصور التي تتبقى في مخيلتنا من فيلم يبدو فيه المونتاج أحد نجومه دون شك على أثر تأثر مخرجه بشكل واضح بالموجة الفرنسية الجديدة حتى تم اعتباره أحد أفرادها من غير الفرنسيين.
يبدأ العمل موحياً جداً.. فمنذ المشهد الأول نرى إيحاءً هاماً أننا نشاهد فيلماً يتم تصويره.. ثم نكتشف تدريجياً أن الفيلم يدور في اتجاهين: الفيلم الذي يتم تصويره, واتجاه آخر يوصّف الحياة التي يعيشها الممثلون أنفسهم.
   لنبسط الحديث أكثر يجب أن نعلم أن هناك حكاية ضمن حكاية.. ويمكن دونما أي إرهاق في التفكير أن نفصل بين قصة الممثلين وقصة الفيلم الذي يصورونه من خلال الأزياء والماكياجات.. فالحكاية التي يتم تصويرها هي حكاية تجري في بريطانيا القرن التاسع عشر حيث العربات التي تجرها الأحصنة, والأسواق القديمة. والملابس الطويلة الملتزمة. في حين نشاهد عند النفاذ إلى زمن الممثلين السيارات ووسائل الاتصال والتطور. يبقى فقط أن ما قد يثير الارتباك أننا نشاهد الشخصيات في دورين لكل منها: واحد يخص الزمان الحاضر.. وآخر للشخصية التي يعمل على تصويرها. ولكن Harold Pinter كاتب السيناريو يصمم على أن يظهر لنا براعةَ وحرفيةً في الصياغة حين يلجأ إلى جعل الشخصيات التمثلية تنعكس على ممثليها, بل إنها توحي لها بما يتوجب عليها فعله في حياتها.

ففي الزمان الحاضر للفيلم نتعرف إلى Anna, تلك الممثلة التي تؤدي دور Sarah Woodrough وهي الفتاة سيئة السمعة, التي طالما تحدثت الشائعات عنها كامرأة خاطئة مع ضابط فرنسي متزوج.. شخصية معقدة مضاعفة أجادت Meryl Streep في تأديتها, مستخدمة ذكاء حاداً في عمل فضفاض أتاح للمثلين الكثير من إظهار خبراتهم وأدواتهم وهذا بحد ذاته أحد أهم الأسباب التي تجعل منه في نظري يستحق التوقف عنده..
أما الممثل الذي يرافق Anna فهو Mike ودوره هو لعالم جيولوجيا وباحث في شؤون المستحاثات يدعى Charles Smithson, دور يظهر منذ البداية شخصية عميقة غير كلاسيكية في عصرها. ولا شك أن Jeremy Irons قد قدم دوراً كبيراً هنا, ويبدو ترشحه للبافتا عن هذا الدور أمراً منطقياً بل ضرورياً, لكن طبيعة الأداء الساحر لـStreep كان قادراً على جعل الفيلم كلها له وحرف الأضواء عن أي شيء آخر!
 
   لكي لا أجعل قارئي يتوه؛ فمن الواجب علي أن أفصل بين القصتين الحادثتين في العمل, مع مطلق تأكيدي على أن عسر الفهم لهذه المطالعة ليس بمشكلة, فهذه النوعية من السينما ليست للكتابة! فالسينما في هذه الحالة هي فن تأليفي لا يقل أهمية عن الرواية, وإذا كانت الرواية غالباً ما تلجأ إلى السرد, فالسرد المونتاجي هنا من يروي الأحداث وهذا التكتيك في البناء الدرامي العضوي للأحداث ولا سيما زمانياً ومكانياً هو نتاج انعكاس الموجة الجديدة على الكاتب (المسرحي أساساً) والمخرج على حد سواء, وما سأذكره في التالي ليس حالة تقريرية بل إيجازاً لأحداث تفوق ما سأرويه:

- في القرن التاسع عشر: Charles عالم المستحاثات الذي يقدم من لندن إلى بلدة بريطانية صغيرة تعتمد على التجارة في حياتها, يجد لنفسه فتاة ميسورة الحال وابنة تاجر معروف تدعي Ernestina, يقنع Charles نفسه بحب هذه الفتاة ويعرض عليها الزواج. وخلال فترة تعارف Charles وErnestina, يبدأ Charles بالانجذاب إلى تلك الفتاة "المأساة" التي تذهب يومياً إلى البحر وتقف أمامه رغم احتجاجات سيدتها المتدينة, لتراقب حنانه وهيجانه غير آبهة بالعواصف. الانجذاب إلى (Sarah) يبدو أولاً بدافع الفضول. حتى ليسوقه فضوله إلى اللحاق بها إلى الغابة على أطراف الشاطئ, ليكتشف بعد ذلك أن لدى تلك الفتاة الكثير من الحزن العميق, فهي تعترف له أنها هامت في عشق ملازم فرنسي مثّل أنه أحبها, فسلمت له جسدها وروحها, ثم تركها وغاب, واكتشفت أنه متزوج تاركاً بها روحاً مجروحة لا تندمل جروحها ولا تُشفى.. عند ذلك تنتقل مرحلة الفضول في العلاقة إلى الإشفاق! ويبدأ Charles في البحث عن أسلوب لعلاج الفتاة "المأساة" إلى أن يجد نفسه يتبعها حيثما تذهب, ويشعر بأنه قد تعلق بها, ووجد فيها شيئاً مبالغاً فيه من الحس والثقافة.. وحين يجتمع بها يكتشف أنها كانت قد خدعته في كل ما روته عن وجود إنسان قبله في حياتها.. ويدرك أن كره هذه الفتاة الرقيقة لمجتمعها وأفكاره وضيق أفقه, جعلها تنفي نفسها عنه بوصم نفسها بأقبح التهم وأشنعها -في ذلك الزمان- لتصنع عالمها الخاص الذي تعيش فيه ضمن الكذبة, عالم تشعر هي فيه بأهميتها وتعاقب نفسها على عدم قدرتها على الإندماج في طقوس حياة لا تحبها.. وبعد أن يفتضح أمر Charles وSarah يخسر Charles حياته النبيلة وخطيبته, ليعيش هو الآخر تحت نظرات مجتمع لا يرحم.. وتختفي Sarah عنه لتتركه وحيداً سنوات عديدة يعاني مما جرى ومن نفي المجتمع.. ويوماً ما ترسل سارة له فيبدأ العتاب بينهما عنيفاً أولاً, وإذا كان ريح العتاب عنيفة فقد استطاعت بعنفها أن تبعد الغبار الذي يعتري العلاقة وتكشف الخامة الهيامية في قلبي العاشقين اللذين عاد حماسهما لبعضهما بعد طول السنين.. ليقررا مرة أخرى عيش حياتهما على هواهما..

- القصة الثانية هي التي تجري بين الممثلين Anna وMike: إذا يبدو أن الممثل يتعلق بالممثلة خلال التصوير. ويبدو أن إبداع Anna في تجسيد شخص Sara جعل Mike مفتوناً بها. لا سيما أن الممثلين معاً يبحثان عن التفاصيل الدقيقة وحتى التاريخية التي تجعل من عملهما ناجحاً إلى درجة توحّدهما مع الدورين فيما نسيمه عادة بـ(تقمّص) الشخصية.. ويبدأ Mike رحلة التودد إلى Anna التي لا تظهر له الكثير من المشاعر رغم أننا كمشاهدين سنشعر في المقابل وجود مشاعر لديها تجاهه, لكنها حين تأخذ في اعتبارها أنه رجل متزوج ولديه أطفال وتتحدث إلى زوجته, تقرر فجأة أن تنهي حكايتها معه بشكل مغاير للفيلم الذي كانت تمثله معه.. إذ تقرر الرحيل من الحفلة التي أقامها المنتج على هامش إنهاء الفيلم, وبعد أن كان من المقرر -على الأغلب- أن يجتمع Mike وAnna ويقررا القرارات الصعبة في حياتهما.. ترحل Anna وحدها تاركة Mike يراقبها مغادرة بسيارتها, منادياً لها بـSarah وليس Anna في لقطة تؤكد أن العلاقة الناشئة بنيت على أساس العمل المشترك.
 
   على صعيد الأفكار تبدو شخصية Sarah الإنسانة الحالمة التي عاقبت نفسها على عدم القدرة على الانسجام مع مجتمعها, محوراً مهماً جداً في العمل ينطلق من الرغبة في أسلوب حياة جديدة مفتقرٍ إلى الجرأة الكفيلة بالثورة على المجتمع, وكأنها نواة صراع بين الماضي والحاضر, والالتزام والانفتاح, ويبدو Charles هو الشخص الذي يؤمن بأهمية أن نعيش حسبما نرغب نحن لا حسب الضوابط المرسومة لنا, ويبدو هذا واضحاً في أن Sarah ذاتها تعتبر أن تدخل Charles في حياتها قد أعطاها سبباً للعيش ومنحها قسطاً كبيراً من الحرية.. وهي لا تبدو حرية بالمعنى الحرفي فهما يعرفان أم المجتمع لم يتغير, لكنهما يؤمنان أن الحرية الحقيقة تبدأ حين ننطلق للحياة دون أي خوف. أما في الزمن الآخر للرواية فالإسقاطات التي لمّح الفيلم لها لا تتعلق فقط بأن الممثلين قد انجرفا في الحالة التي مثلاها, بل إن الغاية الأوضح هي أن الإنسان يتأثر بالتجارب التي يعرفها, فإذا كان الممثلان قد تأثرا بالفيلم فلطالما قرأنا نحن كتباً غيرت من مفاهيم حياتنا وكثيراً ما شاهدنا لقطات فيلمية أخرجت من ذواتنا صفات لا نعرفها, وهذا التأثير الذي أظهراه كان مقصوداً من الكاتب والمخرج ليوجها أنظارنا إلى أهمية السينما كأداة معرفية وتثقيفية وروائية.. وإذا كان السيناريو يحمل طابعاً بسيطاً فإن بناؤه معقد بشكل حاذق واضح لكل من يقرأه.

فنياً.. أجاد المخرج استخدام الطبيعة كأستوديو كبير عملاق يزخر بالمؤثرات الطبيعية.. وتنقل الكاميرا المحمولة جعلنا أقرب من الأحداث, واحتراف المخرج لفن المونتاج والروائية جعلت من المونتاج -كما سبق وذكرت- نجماً من نجوم العمل. ثم توجد الموسيقى بعالمها الآخر, ورغم بساطتها كانت أحد العوامل الهامة لنقلنا بين الزمانين ومدخلاً هاماً لفهم الأمور, أما Meryl Streep وJeremy Irons فقد قدما بكل ثقة الدور ببراعة, مخرجين إحساسات كبيرة تتجاوز جمال الممثلة الشابة ووسامة الممثل الشاب إلى التعبير الأخاذ بالنظرات والهمس.. متسابقين على اللعب بالدور المعقد المضاعف على خير وجه مستخدمين مهارتيهما وأريحية النص, ليبقى هذا العمل أخيراً عملاً محفوراً في الأذهان.

الثلاثاء، 8 نوفمبر 2011

كلود شابرول: صبرا، إن الجودة، بمرور الوقت، تأتي حتما مع الكم >>


  صلاح هاشم من باريس:
 اتذكر ان اول فيلم شاهدته للمخرج الفرنسي كلود شابرول الذي توفي يوم الأحد 12 سبتمبر 2010 عن ثمانين عاما، كان فيلم " سيرج الجميل " بطولة الممثل الفرنسي كلود بريالي، وكان بالابيض والأسود، ويعتبر من أبرز افلام الموجةالفرنسية في فترة الخمسينيات، وكنت وقتها طالبا في قسم انجليزي بكلية الآداب جامعة القاهرة في فترة الستينيات. وكان الدكتور والناقد والكاتب المسرحي المصري الكبير رشاد رشدي يترأس القسم وقتها، ويدرس لنا شعر إليوت وقصيدته " الأرض الخراب "، ويساعده في القسم، جملة من الاساتذة الكبار الذين وضعوا ايضا بصمتهم على الحياة الثقافية في مصر، وربما كانت فترة الستينيات أخصب فتراتها على الاطلاق، مثل الدكتورة فاطمة موسي " قاموس المسرح العالمي" والدكتور مجدي وهبة " قاموس السينما "، وكنا بعد ان أنشأت مع الزميلين ابراهيم رفعت من قسم صحافة ونبيل قاسم من قسم فلسفة اول ناد للسينما في تاريخ الكلية، نذهب الي سفارات الدول الأجنبية في فترة الستينيات، ونستعير منها افلامها، ثم نعرضها على أعضاء النادي من الطلبة في أحد مدرجات قسم انجليزي الذي كان يحتل مع قسم تاريخ في الكلية بناية خاصة له وحده، وتقع مباشرة أمام مكتبة جامعة القاهرة العريقة، وكنا نستمتع بمشاهدة تلك الافلام بترجمة انجليزية ونتناقش ونتجادل بشأنها، وربما كانت تلك الفترة شهدت اول تكوين لما يطلق عليه بظاهرة " السينيفيلي" CINIPHILIEاي عشق السينما والثقافة السينمائية في مصر، وهي الفترة التي صنعتنا أيضا ككتاب ونقاد ومبدعين، وجعلتنا من خلال هذه الصفة السينيفيلية إن صح التعبير، نحب السينما ونقبل على أفلامها أكثر، بل لقد حفزتناايضا على الكتابة والإبداع، وبخاصة في مجال كتابة القصةالقصيرة، باعتراف الكثير من كتاب القصة القصيرة المصرية في تلك الفترة، مثل مجيد طوبيا ويحيي الطاهر عبد الله وكاتب هذه السطور..

«الموت في البندقية»: من مان إلى فيسكونتي

«الموت في البندقية»: من مان إلى فيسكونتي القضية نفسهاالاربعاء, 04 أغسطس 2010

ابراهيم العريس 
 

 
لم يكن الكاتب الألماني توماس مان من الذين تهزهم الكوارث، حتى ولو كانت شخصية، ومع هذا من المؤكد ان اموراً كثيرة عائلية وعامة عرفت خلال فترة من حياته كيف تحدث شرخاً في تلك الحياة حياته. وفي المقابل، كانت تلوح له لحظات طيبة تعيده الى طريق الخلق والفن. ومن هنا كانت هناك، على وجه الخصوص تلك الأمسية الغريبة التي حضر فيها، في رفقة ماكس رينهاردت، التقديم الأول للسمفونية الثامنة لغوستاف ماهلر (1860 - 1911)، الذي كان، بعد فاغنر، من موسيقيي مان الأثيرين. والحال ان ذلك التقديم احدث في روح توماس مان تأثيراً كبيراً وجعله يعيد النظر في بعض مفاهيمه الفنية ورغباته الأدبية. ثم حدث بعد عام من ذلك ان زار مدينة البندقية. وهناك، كما يبدو، وصله خبر موت ماهلر، فأصيب بصدمة اضافية، من المؤكد انها كانت هي، اضافة الى صدمة انتحار اخته ومرض زوجته، ما دفعه الى كتابة العمل الذي كان ينتظر تخمره لديه منذ زمن بعيد: «الموت في البندقية»، تلك الرواية القصيرة - نسبياً -، التي ستصبح، مع «آل بودنبروك» و «الجبل السحري» من اشهر اعمال توماس وأكثرها شعبية. بل ربما ايضاً العمل الأكثر تعبيراً عن نظرات الكاتب الفنية والإنسانية. وهي الرواية نفسها التي اعاد إليها المخرج الإيطالي الكبير لوكينو فيسكونتي، الحياة من جديد في السبعينات من القرن الماضي، اذ حولها الى فيلم جاء في شكله مختلفاً بعض الشيء عن الرواية، لكنه في جوهره اتى متطابقاً معها، ليقدم واحداً من افضل نماذج اللقاء بين الأدب وفن السينما في ذلك الزمن.

تعقيدات الزمن السينمائي والزمن الروائي .. وتحفة ماركر La Jetée



لنتجاوز سويا جميع المعضلات الفلسفية والتركيبية المتعلقة بمفهوم "الزمن"
نستطيع أن نربطه بديهيا بعنصر "الحركة" ، إذ أن انتفاء الحركة يقتضي انتفاء المفهوم البديهي للزمن ، فلا يوجد زمن دون أن يسير في حركة ما .

في الأعمال الروائية تستطيع جيدا أن تتحكم باللحظة الزمنية ، أن "توقفها" وأن تتوسع فيها كيفما شئت ومتى أردت ، بإمكان الروائي أن يستمر في وصف اللحظة إلى ما لا نهاية ، أن يشرح كيف شعرت الشخصية الأولى في اللحظة المحددة ، ثم ينتقل ليشرح كيف شعرت الشخصية الثانية في ذات اللحظة ، ثم يتعمق في وصفها ماديا عبر تكثيف الصور الوصفية للمكان والأوجه والتعبيرات .. كل هذا في لحظة واحدة لا تتحرك ، لكنها متمددة .
في السينما المسألة تختلف جذريا ، الزمن محدود التمدد ، لا تستطيع تكرار الصورة لتشرح جميع ما سبق ، هي محمَّلة بكل تلك الصور التي تستغرق الرواية في وصفها ، إلا أنها تمر دفعة واحدة ، لمرة واحدة .
وهنا يأتي دور الروسي تاركوفيسكي
 
 

الجمعة، 5 أغسطس 2011

الواقع والمُتخّيل في سينما بيرتـولوتـشـي..

الواقع والمُتخّيل في سينما بيرتـولوتـشـي
  علي كامل 21 مارس 2006

"لقد عرفت الحياة من خلال الأفلام, مثلما عرفها بورغيس(1) عبر الكتب.. "بيرتولوتشي

::. ترجمة و تقديم علي كامـل مخرج سينمائي عراقي – لنـد ن
مقدمـة :
بيرتولوتشي

خلف الأفلام الإيطالية المجّددة والمبتكرة في السبعينات كان يقف صف من المخرجين الكبار أمثال فرانشيسكو روزي، ماركو بيلوتشيو, وورثمولر، ماركو فيريري، و إتور سكولا، أولئك الذين
أنتجوا أفلامهم الأولى في فجر ميلاد ماسمي حينها بـ ” الموجة الجديدة “.

تابع كل جديد برسالة الكترونيه لـ إيميلك فورا